عند “إشارة المرور” بالناظور.. شاهدت مباراة أخرى بطلتها طفلة في الحادية عشرة وخصمها “الجوع والبرد”

ريف 360- ماسين

عقارب الساعة تقترب من الثامنة مساء. الجو شتوي قارص، والأرض مبللة برذاذ مطر خفيف يزيد المشهد وحشة. كانت المدينة في حالة استنفار “عاطفي”؛ فالكل يهرع صوب المقاهي والمنازل لمتابعة ملحمة “أسود الأطلس” ضد زامبيا، ضمن الجولة الثالثة من “الكان”. كنت واحدا من هؤلاء، أبحث عن الدفء ونشوة الانتصار، لكن تقاطع شارع الجيش الملكي ومحمد الزرقطوني (كورنيش الناظور) كان يخبئ لي “مباراة” من نوع آخر.. مباراة مع الضمير.

مشهد يخدش الحياء القيمي

عند إشارة المرور، استوقفني مشهد مؤسف يكسر القلب. طفلة في ربيعها العاشر أو الحادي عشر، تلفح وجهها ريح الناظور الباردة، يرافقها طفل أكبر منها بسنتين، بجسد هزيل وقامة لم يسعفها سوى سوء التغذية لتنمو. انتابني غضب داخلي؛ كيف لأب أو أم أن يقذفوا بفلذات أكبادهم إلى قارعة الطريق في هذا الوقت المتأخر لاستدرار عطف المحسنين؟

قررت، بدافع الفضول الصحفي أولا، والواجب الإنساني ثانيا، أن أكسر جدار “المبادئ” التي تمنعني عادة من تشجيع تسول الأطفال، اقتربت منها وسألتها بأمازيغية الريف: “ماذا تفعلين هنا؟ مكانك الآن هو المنزل، للاستعداد للنوم والمدرسة غدا”.

أمي والزيتون.. ووالد غائب

أجابتني بدارجة تفيض براءة: “أريد أن أساعد أمي”. وحين سألتها عن هويتها، قالت بعنفوان الطفولة: “أنا ناظورية، ولدت هنا وأمي من مدينة فاس، أتحدث الريفية لأنني ابنة هذه الأرض”.

استرسلت في حديثي معها باحثا عن الأم، فجاءت الصدمة. الأم ليست في الجوار، بل هي حبيسة المنزل بعد فاجعة مهنية؛ كانت تجني الزيتون في “تاوريرت”، لكن غصن الشجرة خانها لتسقط أرضا، وبسبب وزنها الزائد، أصبحت عاجزة عن الحركة والعمل في البيوت كما كانت تفعل سابقا.

وعندما سألتها عن “السند”، عن الأب، كان الجواب طعنة في صدر الإنسانية: “لا أعرف والدي.. لا أعرف من يكون”. هنا، صمت “الصحفي” بداخلي وتحدث “الإنسان”. توقفت عن نبش جراحها، ومددت يدي بما تيسر من نقود، ضاربا عرض الحائط بكل قناعاتي السابقة؛ فالحالة لم تكن تسولا احترافيا، بل كانت “استغاثة” فوق الرصيف.

أسئلة معلقة فوق الكورنيش

أكملت طريقي لمشاهدة المباراة، فاز المنتخب وضمن الصدارة، صفقنا وفرحنا.. لكن صورة تلك الطفلة ظلت تطاردني بين لقطات الأهداف. كيف فشلنا كمجتمع في حماية هذه الفئة الهشة؟ أين هي الحلول الحكومية التي تحفظ كرامة طفلة صغيرة تكتري أمها بيتا لا تكفيه 500 درهم من الدعم الاجتماعي؟ وكيف نترك طفلة في عمر المراهقة، مع طفل آخر في وقت متأخر، عرضة للتحرش والضياع؟

رسالة إلى من يهمه الأمر

لسنا من هواة “العدمية” الذين يبخسون النجاحات الوطنية، فنحن نفرح بانتصار المنتخب ونفخر بمشاريع التنمية، لكن النجاح الحقيقي هو الذي يلمس الفئات “المنسية”. هذه صرخة من “ريف 360” للحكومة الحالية والمقبلة: القطاعات الناجحة نحميها، ولكن الفئات الهشة “ننقذها”.

لقد انتصرت كرة القدم في ليلة زامبيا، لكن الإنسانية في شوارعنا لا تزال تنتظر “صفارة النهاية” لمأساة الفقر والتهميش.

مقالات مشابهة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button