أبرشان وأخلاقيات التمثيل: هل تتفوق “الشعبوية الفاعلة” على الشهادات في الدفاع عن مصالح الناظور بالبرلمان؟

ريف360- ماسين

على أعتاب استحقاقات انتخابية جديدة، يعود إقليم الناظور ليواجه معضلته الأزلية في اختيار ممثليه بالبرلمان: هل يواصل الرهان على الوجوه المألوفة التي أتقنت لغة التواصل المباشر، وإن كانت ركيكة أكاديميا، أم يبحث عن نخب جديدة مسلحة بالتعليم العالي والرؤية الاستراتيجية؟ تبرز في صدارة هذا الجدل شخصية النائب البرلماني المخضرم محمد أبرشان، الذي يمثل حالة فريدة تتحدى المنطق التقليدي للتمثيل السياسي.

إن ظاهرة أبرشان، بمسيرته السياسية الطويلة ونجاحه المتكرر في كسب ثقة الناخبين، رغم لغته العربية التي تتخللها اللكنة الأمازيغية الواضحة وعدم حصوله على شواهد جامعية، تضعنا أمام مفارقة عميقة. ففي الوقت الذي تعول فيه الدولة على بناء نخب حديثة ومتخصصة، يصر الناخب في الناظور على تزكية رجل عرف كيف يحول “نقاط ضعفه” الظاهرة إلى قوة شعبوية نافذة.

المفارقة الكبرى: “الشعبوي الفاعل” أم “النخبة العاجزة”؟

المدافعون عن أبرشان يرون فيه صوتا حقيقيا يمثل نبض الشارع، فهو، بطريقته الخاصة والمميزة، أثبت قدرته على إثارة قضايا المواطنين داخل قبة البرلمان. بالنسبة لشريحة واسعة من الساكنة، يظل أبرشان الرجل الذي “أوصل صوتهم” وعرف كيف يفعل ذلك بأقصر الطرق، حتى وإن تخللت مسيرته بعض الاتهامات حول استغلال النفوذ، التي تبقى في نظر مؤيديه جزءا من “ضريبة العمل السياسي”.

في المقابل، يرى النقاد أن الناظور، كإقليم ذي مؤهلات استثمارية وجغرافية كبرى، دفع ثمنا باهظا للاستمرار في تزكية هذا النمط من التمثيل. فالنخب الحالية، بما فيها أبرشان، ورغم السنوات الطويلة في المسؤولية، لم تقدم للإقليم الشيء الكثير على مستوى المشاريع الكبرى والتنمية المستدامة.

هنا يكمن لب المعضلة: هل تكفي “الشعبوية الفاعلة” (Active Populism) للدفاع عن مصالح إقليم في زمن التعقيد الاقتصادي والتشريعي؟

من نموذج “ماكس فيبر” إلى واقع الناظور

تنظيريا، يفرق عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر بين “أخلاق الاقتناع” و “أخلاق المسؤولية”. نواب مثل أبرشان قد يمثلون “أخلاق الاقتناع” النابعة من التواصل المباشر مع القواعد الشعبية، لكن الدفاع عن مصالح الناظور على مستوى البرلمان يتطلب اليوم نخبا تتمتع بـ”أخلاق المسؤولية”. هذه المسؤولية تتجسد في القدرة على:

  1. التحليل التشريعي العميق: فهم القوانين المالية والاستثمارية المعقدة لتكييفها مع مصلحة الإقليم.
  2. الترافع بلغة الأرقام والرؤية: التفاوض مع الحكومة والقطاعات الوزارية بلغة التنمية الاقتصادية والاجتماعية المدعومة بالدراسات، وهو ما قد يصعب على من تنقصه الأدوات الأكاديمية.
  3. جذب الاستثمار: الناظور ينتظر مشروع “ناظور ويست مد” وغيره، وهذا يتطلب نخبا قادرة على الترويج للمنطقة في المحافل الدولية والمؤسسات الاستثمارية الكبرى.

ما هو في مصلحة ساكنة الناظور؟

مصلحة إقليم الناظور، الذي يتطلع إلى التحول إلى قطب اقتصادي بفضل ميناء الناظور غرب المتوسط، تكمن في إحداث توازن نوعي في نخبته البرلمانية.

الاستمرار في تزكية أبرشان وأمثاله من النخب القديمة، بشكل حصري، هو رهان محفوف بالمخاطر في ظل التحديات التنموية الكبرى. الناظور بحاجة إلى:

وجوه شابة ومؤهلة: يجب على الأحزاب إفساح المجال أمام حملة الشهادات العليا، من أبناء الإقليم، الذين يملكون الأدوات المعرفية واللغوية (التي لا تقتصر على العربية بل تشمل اللغات الأجنبية) للترافع عن مصالح الناظور داخل البرلمان والمحافل الدولية.

دمج “القوة الشعبوية” و”الكفاءة التقنية”: يمكن الاستفادة من قوة التواصل لدى النخب القديمة (كأبرشان) في إيصال صوت الشارع، ولكن يجب أن تتكامل هذه القوة مع العمق التقني للنخب الجديدة القادرة على صياغة البدائل التشريعية والسياسات العامة.

إن الناظور يقف اليوم أمام فرصة تاريخية لتصحيح بوصلة تمثيله. لا يتعلق الأمر باستبعاد النخب القديمة بشكل مطلق، بل بإعادة تعريف دورها داخل توازنات جديدة تضع الكفاءة الأكاديمية والرؤية الاستراتيجية في صلب المعادلة، لتحويل “الجهر بالصوت” إلى “عمل مؤثر” يخدم التنمية المستدامة للإقليم.

مقالات مشابهة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button