“جهة الريف” ضرورة استراتيجية للعدالة المجالية.. وخبراء يحذرون من مخاطر التشتيت على التنمية المتوازنة

ريف360- إلهام. د
في خضم النقاش الدائر حول الجهوية المتقدمة والإصلاح الإداري في المغرب، يبرز السؤال: لماذا لا يتم الاعتناء بمنطقة الريف كفضاء جغرافي وثقافي موحد يستفيد من تقسيم جهوي عادل؟
منذ اعتماد التقسيم الجهوي الحالي، تم توزيع أقاليم الريف على جهات مختلفة: جزء التحق بـجهة الشرق، وآخر بـجهة طنجة–تطوان–الحسيمة، وجزء بجهة فاس- مكناس “تيزي وسلي”، مع ما رافق ذلك من ارتباك في الهوية الجهوية المحلية والشعور بتمزيق لرابط اجتماعي وثقافي عريق.
وقد عبر مسؤولون ونواب سابقون عن رفضهم لهذا التقسيم، معتبرين إياه “تمزيقا للريف” وخرقا لمعايير الجوار، القرب، والانتماء التاريخي ـ الاجتماعي.
من هذا المنطلق، فإن دعوة أفراد من الحركة الأمازيغية – من قبيل يوغرتن موريدي من “حزب تامونت للحريات” – لإعادة النظر في التقسيم الجهوي وإعطاء الريف “كيانا جهويا موحدا” ليست مجرد مطلب رمزي، بل ضرورة ملموسة، خاصة إذا ربطنا ذلك باتجاه البلاد نحو الحكم الذاتي في الصحراء والسيادة على كامل التراب الوطني.
لماذا جهة الريف ليست ترفا، بل ضرورة تنموية وهوية؟
الهوية والتاريخ المشترك: الريف يشكل وحدة جغرافية وثقافية عريقة، بجماعات وقبائل وموروث تاريخي مشترك. لا معنى لأن توزع هذه الفضاءات على جهات بعيدة تختلف أولوياتها وتنميتها، ما قد يضعف الروابط بين سكان الريف ويشتت صوت مطالبهم.
العدالة المجالية والتنمية المتوازنة: منطق الجهوية المتقدمة يهدف إلى تقليص الفوارق الاجتماعية والاقتصادية بين جهات المغرب. لكن تقسيم الريف أجهض هذا الهدف في الشمال: فبدلا من أن تتجمع طاقاته ومؤهلاته ضمن جهة واحدة قادرة على التخطيط المتكامل، أصبحت مجزأة وغير قادرة على اجتذاب استثمارات أو توزيع المشاريع بإنصاف.
عودة الكفاءات من الجالية: في ضوء الرؤية الديموقراطية والمجتمعية المرتكزة على لامركزية حقيقية، يمكن أن تعيد الجالية الريفية جزءا من كفاءاتها إلى أرض الوطن لتطوير جهتها إذا منحت سلطة الإشراف والقرار ضمن جهة موحدة، بعيدة عن الحسابات الانتخابوية الضيقة.
تعزيز الانتماء الوطني في سياق صراع الصحراء: إذا كان المغرب يدافع عن وحدته الترابية ويدعم طرح الحكم الذاتي كخيار للتسوية، فمن المنطق أن يحتفي بتنوعه الجغرافي والمناطقي داخل وحدته. أن تكون الريف، والصحراء، وغيرهما، جهات داخل الوطن تعكس تنوعه لكنها تحت سقف السيادة الوطنية، فهذا هو النهج الذي يفهم منه الاستقرار والعدالة.
إلحاق الريف بجهات غير متجانسة جغرافيا أو من حيث الأدوار التنموية – بدعوى اعتبارات “تنظيمية” أو “أمنية” – هو خيار محفوف بالمخاطر. فهو قد ينعكس على ضعف التعبئة المجتمعية على مشاريع تنموية، ويفقد الجهة العمومية القدرة على وضع سياسات تنموية متكاملة وموجهة لحاجيات السكان الفعلية.
علما أن خبراء في علم الإدارة الإقليمية يرون أن الجهوية المتقدمة لا تنجح إلا إذا كانت الجهات مبنية على انسجام جغرافي، اجتماعي، اقتصادي وثقافي.
خلاصة وتحذير… الريف أمام فرصة تاريخية
إذا كان المغرب يتجه نحو جهوية متقدمة وتنمية عادلة لكل جهاته، فلا يمكن أن تهدر فرص الريف بسبب حسابات آنية أو سياسية ضيقة. إعادة التفكير في تقسيم جهوي يعيد الاعتبار للريف، لمكانته، لهويته، ولحق أبنائه في التنمية المتوازنة، هي خطوة استراتيجية نحو بناء مغرب ديمقراطي وحدوي – يحترم التنوع ويعطي لكل منطقة مكانتها.
ولعل من المهم أن تفتح نقاشات جدية، تشاركية وحقيقية في هذا الاتجاه، تستحضر الأصوات الريفية السياسية والمدنية، لأن الهوية لا تصان بالكلام وحده، بل بالتنمية، الانتماء، والقرار.




