كيف مولت ألمانيا النازية هجوم إسبانيا الكيماوي على الريف؟

ريف360- ماسين

قبل قرن من الزمان، لم تكن حرب الريف (1921-1927) مجرد معركة تحرر عادية، بل كانت مسرحا لأول قصف جوي بالأسلحة الكيماوية ضد مدنيين في التاريخ. هذا ما يكشفه تقرير معمق لـ “دويتشه فيله” الألمانية، الذي يعيد فتح أخطر ملف في الذاكرة المغربية والإسبانية: استخدام مدريد، بدعم فرنسي، لأشد الأسلحة فتكا ضد سكان الريف، بقيادة الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي “مولاي موند”.

تحالف استعماري لمواجهة الهزيمة النكراء

جاء القرار الاستعماري باستخدام الكيماوي، بعد هزيمة إسبانيا المذلة في معركة أنوال عام 1921، حيث سحق محاربو الريف جيشا إسبانيا حديثا قوامه 26 ألف رجل. تلك الهزيمة دفعت مدريد لطلب الدعم العسكري من فرنسا، لتتشكل جبهة استعمارية مشتركة كان هدفها الوحيد كسر شوكة المقاومة في الريف، حتى لو اقتضى الأمر تجاوز كل الخطوط الأخلاقية.

بين عامي 1925 و1927، سقطت قنابل محملة بغاز الخردل (Mustard Gas)، والفوسجين، وغازات خانقة أخرى. لم يقتصر القصف على القرى والأسواق، بل وصل حد إلقاء الغازات السامة مباشرة على الأنهار التي تمثل مصدر مياه الشرب الوحيد للسكان، بهدف واضح: تدمير المجتمع الريفي بأكمله وكسر المقاومة.

السرطان.. الأثر الصامت لغاز الخردل

بعد عقود من توقف القصف، ظهر الأثر الصامت لتلك الجريمة: ارتفاع “غير معتاد” في حالات السرطان داخل منطقة الريف.

تشير تقارير وتحقيقات صحفية وفقا لـ”دويتشه فيله” إلى أن نحو 80% من مرضى السرطان البالغين الذين يتلقون العلاج في مستشفى الأورام بالرباط يأتون من نفس المناطق التي تعرضت للقصف الكيماوي قبل قرن. هذه الأرقام، وشهادات الأطباء، تؤكد ضرورة إجراء دراسات علمية قاطعة لربط ارتفاع الإصابات بالأورام حاليا، بتلك الجريمة الكيماوية التي استهدفت أجدادهم. إنه إرث لعين ما تزال آثاره الصحية والإنسانية ماثلة في وجدان سكان الريف ويومياتهم.

الأيادي الخفية: ألمانيا وفرانكو على طريق الحرب

يكشف التقرير أن إسبانيا لم تكن وحدها الطرف المتورط في الجريمة، بل كانت ألمانيا هي المصدر الرئيسي للمواد السامة.

شبكة ألمانية: قاد الكيميائي هوغو شتسمسنبرغ شبكة زودت إسبانيا بمئات الأطنان من المواد السامة بعد الحرب العالمية الأولى، وبمساعدة غير معلنة من حكومة فايمار والجيش الألماني، تم بناء مصنع لمارينيوسا قرب مدريد لإنتاج غاز الخردل محليا، بعيدا عن رقابة معاهدة فرساي. وهكذا، أصبح الغاز الذي سقط على الريف “ألماني المصدر، إسباني التنفيذ، وفرنسي السياق الاستعماري”.

الطريق إلى 1936: يرى مؤرخون أن حرب الريف لم تكن مجرد حرب استعمارية؛ بل كانت المسرح الأول الذي صاغ ملامح الفيلق الإسباني الذي سيقود انقلاب 1936. فالضباط الذين قادوا القصف في المغرب، وعلى رأسهم فرانسيسكو فرانكو، اكتسبوا خبرتهم القتالية في جبال الريف، ومن هناك انطلقت طلائع الجيش الإفريقي لتفجير الحرب الأهلية الإسبانية.

عدالة مؤجلة منذ قرن

بعد مرور قرن، تواصل الجمعيات المدنية في المغرب مطالبة إسبانيا وفرنسا بالاعتراف الرسمي باستخدام الأسلحة الكيماوية وبمسؤولية آثاره الصحية على السكان.

رغم المبادرات السياسية الخجولة في مدريد وبروكسل، لم يتحقق أي تقدم ملموس نحو الاعتذار أو التعويض، ليبقى ملف ضحايا الكيماوي ملفا مفتوحا ضمن نطاق من الصمت الدولي. وفي الوقت الذي تنتظر فيه ساكنة الريف عدالة مؤجلة منذ 100 عام، تبقى الحاجة ملحة لإجراء دراسات علمية مدعومة دوليا لتقطع الشك باليقين وتفضح هذا الإرث البشع.

مقالات مشابهة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button