تحت مظلة الرقمنة: كيف تفتت “النسوية المتطرفة والذكورية السامة” النسيج الاجتماعي المغربي؟

ريف360- إلهام. د
تشهد الفضاءات الرقمية المغربية، من “فيسبوك” إلى “تيك توك”، تحولا مقلقا في طبيعة الصراع الاجتماعي. فبدلا من أن يكون النقاش حول الحقوق، والعدالة الاجتماعية، والمواطنة؛ تحول إلى صراع “جنسوي” سام، يتمحور حول العداء المتبادل، والتشكيك، وزرع الانعدام المنهجي للثقة بين الجنسين.
هذا التحول ليس عفويا، بل هو نتاج لانتشار أيديولوجيتين متناقضتين جذريا، لكنهما تتفقان على النتيجة: تقويض الأسرة كأحد الركائز الأساسية للمجتمع المغربي.
النسوية المتطرفة: تبرير الظلم تحت ستار “النصرة”
النسوية المتطرفة، أو ما يمكن تسميته بـ “النسوية الإقصائية”، تتجاوز مبادئ العدالة والمساواة الحقيقية لتتحول إلى خطاب “نصرة عمياء” للمرأة، حتى وهي في موقع الظالم.
يتبنى هذا التيار قاعدة مفادها أن “المرأة يجب أن تنصر دائما”، معتمدا على سردية الضحية الأبدية. هذه المقاربة، التي تفتقر إلى النقد الذاتي، لا تكتفي بإنكار مفهوم العدالة في العلاقات، بل تشرعن الأخطاء الفردية للمرأة وتغلفها بغطاء نضالي، مما يفقد الحركة النسوية وزنها الأخلاقي أمام الرأي العام.
تحول القضايا العادلة للمرأة إلى قضايا تحكمها العواطف والأحكام المسبقة على الطرف الآخر، مما يصعب الحوار ويجعل أي محاولة للإنصاف تبدو وكأنها “انحياز ذكوري”.
الذكورية السامة: استعباد مقنع تحت ستار “القوامة”
في المقابل، يطل علينا تيار “الذكورية السامة” أو “الذكورية الأصولية”، الذي يستغل الخوف من التغيرات الاجتماعية ليعيد فرض نمط “الاستعباد المقنع” للمرأة.
الهدف المعلن: يسعى هذا التيار إلى تجميد العلاقة بين الجنسين في قوالب جامدة ومتقادمة، ويصور المرأة ككائن أدنى وظيفيا أو فكريا. هو يروج لفكرة أن الحل الوحيد “لصيانة الأسرة” هو إخضاع المرأة بالكامل لسلطة الرجل المطلقة.
الخطر المنهجي: هذا الخطاب يغذي الحقد والعداء، ولا يترك مجالا للشراكة والاحترام المتبادل، بل يحاول تسميم وعي الشباب بضرورة “استعادة القوامة” عبر أدوات عنيفة أو مهينة، وهو ما يولد ردود فعل عنيفة مضادة من التيار النسوي.
أزمة النخبة والسبات الإعلامي العمومي
الخطر الأكبر يكمن في وجود هذه السموم في ظل فراغ قيمي وإعلامي واضح.
غياب النخبة المغربية: النخبة الفكرية والاجتماعية، التي يفترض بها أن تلعب دور “صمام الأمان” الثقافي، تبدو غائبة أو مكتفية بالصمت. إنها لم تنجح في تقديم خطاب بديل متوازن يراعي الأصالة المغربية وقيم الإسلام الوسطي والمكتسبات الدستورية، مما ترك الساحة خالية للخطاب المتطرف ليحتلها.
إعلام عمومي في سبات: الإعلام العمومي، الذي تقع على عاتقه مسؤولية التوعية والدفاع عن “القيم الجامعة”، يدخل كعادته في سبات عميق. بدلا من إطلاق برامج تحليلية عميقة تستضيف خبراء علم النفس والاجتماع والقانون لوضع أسس للحوار، يكتفي الإعلام بالبث التقليدي، تاركا الجيل الجديد يغترف مفاهيمه للعلاقات من مؤثرين غير مؤهلين ومجموعات تدار بأجندات مجهولة.
دعوة للصحوة قبل فوات الأوان
إن تحول الصراع الاجتماعي إلى صراع جنسوي على منصات رقمية يعني أننا أمام آلة هدم تعمل بكفاءة عالية على تفتيت أسمى مؤسسة في المجتمع: الأسرة.
المواجهة الفعالة لهذا المد السام تتطلب أكثر من مجرد إدانة؛ إنها تتطلب صحوة عاجلة من النخبة، واستنفارا كاملا للإعلام العمومي، لتبني خطابا توعويا يدافع عن قيم المساواة في الحقوق والعدالة في المسؤوليات، بدلا من ترك فضاءاتنا الرقمية ساحة حرب مفتوحة تدفع ثمنها الأجيال القادمة.




